الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
21
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أي صلب الإنسان أو البعير ، لأنّ الظهر به قوة الإنسان في المشي والتغلّب ، وبه قوة البعير في الرحلة والحمل ، يقال : بعير ظهير ، أي قوي على الرحلة ، مثّل المعين لأحد على عمل بحال من يعطيه ظهره يحمل عليه ، فكأنّه يعيره ظهره ويعيره الآخر ظهره ، فمن ثمّ جاءت صيغة المفاعلة ، ومثله المعاضدة مشتقّة من العضد ، والمساعدة من الساعد ، والتأييد من اليد ، والمكاتفة مشتقّة من الكتف ، وكلّها أعضاء العمل . ويجوز أن يكون فعله مشتقّا من الظهور ، وهو مصدر ضدّ الخفاء ، لأنّ المرء إذا انتصر على غيره ظهر حاله للناس ، فمثّل بالشيء الذي ظهر بعد خفاء ، ولذلك يعدى بحرف ( على ) للاستعلاء المجازي ، قال تعالى : وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ [ التحريم : 4 ] - وقال - كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً [ التوبة : 8 ] - وقال - لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ * [ الفتح : 28 ] - وقال - وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ [ التحريم : 4 ] أي معين . والفاء في قوله : فَأَتِمُّوا تفريع على ما أفاده استثناء قوله : إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً إلخ ، وهو أنّهم لا تشملهم البراءة من العهد . والمدّة : الأجل ، مشتقّة من المدّ لأنّ الأجل مدّ في زمن العمل ، أي تطويل ، ولذلك يقولون : ماد القوم غيرهم ، إذا أجّلوا الحرب إلى أمد ، وإضافة المدّة إلى ضمير المعاهدين لأنّها منعقدة معهم ، فإضافتها إليهم كإضافتها إلى المسلمين ، ولكن رجّح هنا جانبهم ، لأنّ انتفاعهم بالأجل أصبح أكثر من انتفاع المسلمين به ، إذ صار المسلمون أقوى منهم ، وأقدر على حربهم . وجملة : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ تذييل في معنى التعليل للأمر بإتمام العهد إلى الأجل بأنّ ذلك من التقوى ، أي من امتثال الشرع الذي أمر اللّه به ، لأنّ الإخبار بمحبة اللّه المتّقين عقب الأمر كناية عن كون المأمور به من التقوى . ثم إنّ قبائل العرب كلّها رغبت في الإسلام فأسلموا في تلك المدّة فانتهت حرمة الأشهر الحرم في حكم الإسلام . [ 5 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 5 ] فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 )